| الصفحه الرئيسة |  موسوعة علم التصوف المقدمه |

 

موسوعه علم التصوف (الميسر في علم التصوف وماهيه المريد)


 

تمهيد المؤلف

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا ومولانا محمد بن عبدالله بن عبدالمطلب بن هاشم النبي الأجل والرسول الأكرم والعبد الأكمل وعلى آله وصحبه الأخيار ... وبعد .

يتناول كتاب " المُيَسَّر في علم التصوف " طبيعة مفهوم علم التصوف الذي انطوى تحت حجاب الصون فلم يدخل في دائرة المقال إلاّ من جهة العمل به لأنه علمٌ ينبئ عن حقيقة عظيمة لا سبيل إلى معرفتها إلاَّ بالعلم الذوقي والحال المعرفي ألا وهي معرفة  الله تعالى .

لذا لم يقتصر علم التصوف في عباراته وإشاراته على مفهوم أو تعريف محدد بذاته بل امتد إلى :

î عدد من التعاريف الحسية التي ظهرت من جهة العمل بعد جلاء مرآة القلب من صدأ الأغيار بأنواع الرياضات والمجاهدات وكلها تعاريف ارتبطت بعلم التزكية .

î عدد من التعاريف الروحية التي ظهرت من جهة العلم الذوقي بعد تجلي صور المعقولات في مبناها الحكمي وكلها تعاريف ارتبطت بعلم الحكمة .

îعدد من التعاريف المعنوية التي ظهرت من جهة الحال المعرفي والقرب من الله تعالى بعد خلو القلب مما سوى الله تعالى وكلها تعاريف إرتبطت بعلم الكتاب .

وفي هذا الجزء من الكتاب قدمنا مفاهيم التصوف بأسلوب جديد يجمع علم التزكية والحكمة والكتاب في تعريف واحد ، وقد حصرنا التعاريف في ثمانية وعشرين تعريفاً مَزَجت في مبناها الحسي ومعناها القدسي الأصالة التي   تعطينا :

êالرؤية الواضحة حسياً بمعيار النظر والإستدلال الشرعي .

êالرؤية الواضحة عقلاً بمعيار العلم وتوطئة الحكمة بإشارات القلب .

والغاية من الكتاب أن نشهد التصوف في مشهدٍ عظيم يجمع معاني ومباني حسن التدبير لأمور الحياة العامة والخاصة وصولاً إلى مقام التحقيق إخلاصاً وتسليماً لله تعالى في الدنيا والآخرة مصداقاً لقوله تعالى:} ومن أحسن ديناً ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفاً| ….النساء (125) ،         وقوله تعالى :} ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسنٌ فقد استمسك بالعروة الوثقى وإلى الله عاقبة الأمور  |لقمان (22)، وقد صاحب في كل تعريف دلالة واضحةٌ تقيم دائرة السعادة في ذات الإنسان وواقعه ديناً ودنيا .

وقد حرصنا على ترقيق المفاهيم بفائق العبارات ، والقصد أن نقف على حقيقة معنى التصوف في عباراته الجامعة " التصوف " قدر الإمكان ببعض التفصيلات التي لا تتحيز لمذهب ما أو فكرٍ ما ، باعتبار أن التصوف قائم بذاته ولا يحل غيره مكانه  ولا يحل مكان غيره من المذاهب والمدارس ... إلخ ، وما قدمناه من تعاريف في هذا الكتاب فإن  متعلق العلم بأي تعريف لا ينفي ما سبق من تعاريف صالحة ، مع ملاحظة أننا قد استوجبنا الفرقانية التي تحمل في طياتها كل أمر حكيم ، وإننا في هذا الكتاب لا نضيف شيئاً إلى شيء بأي وجه من وجوه الإضافة فمدلول التصوف معلومٌ بذاته عند الجميع  لا يحتاج إلى دليل .

والقصد أن يظهر التصوف في تعريفٍ فيُعرف لقرب هذا التعريف من الأذهان بدلاً من أن يخفى في تعريفٍ بعيدٍ عن الأذهان فيُجهل ،  والعقل بطبيعته يخطئ ويصيب ولا شك أن انتصار العقل بنور العلم والحكمة على الحواس التي تتحكم بها النفس هو أرفع مراتب السعادة ، كما أن انتصار النفس على الشهوات بنور التوفيق والعصمة " التزكية " هو أيضاً من أرفع مراتب السعادة .

لقد تم عرض معظم التعاريف التي قدمناها في عمومها في المقدمة  واقتصر التحليل في هذا الجزء على مفهومين للتصوف هما " التصوف إنساناً "  و " التصوف طريقةً " وسيتم تناول باقيها بإذن الله تعالى في الأجزاء التالية من الكتاب  هذا من ناحية ، ومن ناحية أخرى تناول الكتاب في الجزء الأول       عند تحليل مفهوم " التصوف طريقة " ثمانيةً وعشرين مريداً تم عرضها        في عمومها.

وسوف نتناول في هذا الجزء من الكتاب تحديداً شخصية المريد العالم والمريد السالك بالتحليل الوافي مُذيلاً  في نهاية صفحات المريد السالك بقصيدة " الدنو والتدلي "  ، التي وضَّحت وبجلاء عروج النفس إلى العقل ، وعروج  العقل إلى الروح ، وعروج الروح إلى السر ، وعروج السر إلى الرب بأسلوب سرمندي له دلالته على انبساط الأنوار في مجرى صفاء النفس إلى مواضع الحكمة في العقل إلى معارج القدس في الروح إلى مكنون السر ، وقد قدمنا ذلك في قالبٍ شعري جديد جمع الأصالة بالمعاصرة موضحين من خلال الشعر الفرق بين النفس والعقل والفرق بين الأرواح والأشباح على أمل أن تجد النفوس والعقول والأرواح الطاهرة ما يرشدها إلى الحقيقة جنوحاً إلى العالم العلوي ، والغاية أن نصلح في ذاتنا للإقبال والمقابلة والإحسان والمواصلة وللثبات مع الحق عز وجل زلفى وحسن مآب في دائرة الحق والصواب .

وللكتاب فلسفتهُ في الإكتفاء بهذه المحاور في هذا الجزء عسى أن يفتح الله بكرمه للقارئ باباً من عنده فالإنسان محلاً للتطهير والتغيير المستمرين حتى الثبات مع الله سبحانه وتعالى في دائرة (الصافون والمسبحون) المتحققون بحقائقه والمختصون بعلمه .

لقد قمنا بترتيب الكتاب في أجزائه بما يضمن تفاعل القارئ مع ملكات الكاتب الصوفي الذي زهد عما في أيدي الناس واحتجب عن قُرائه ولم يَظهر لهم       إلاّ عندما علم حقيقة أن الحاجة ماسة للفكرة المعرفة التي تجمع ولا تفرق ،  على أمل أن تتطابق فراسة القارئ الحكيم واستنتاجاته المنطقية مع أفكار   الكتاب .

 والناظر إلى التصوف بعمق يجد التصوف مسطوراً بإيمان القلب نوراً واتصال الروح قدساً ، وتعريف العقل حكمةً ، وتصويب النفس إحساناً ، وقوة الحواس إدراكاً ، كل ذلك يجعل من التصوف جوهراً في ذاته لا عرضاً ، فلو كان عرضاً لزال بزوال الأسباب التي أقامته ، فمن المسلم به إستحالة بقاء كل عرض فمن الحكمة أن نضع الأشياء في مواضعها وخاصة عند وقوفنا على التصوف ، باعتبار أن التصوف من العلوم الفكرية التي وقفت معظم العقول دونه ، ومن العلوم النظرية التي تم صياغتها في مناهج متعددة ، ومن العلوم ذات الإحكام التجريبية التي تم استنتاجها من سلوك المريدين ،  آخذين في الإعتبار أن الحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها فهو أحق بها ، ولا تخلو الأرض من ظهور التجليات الربانية في الذات الإنسانية المفكرة .

 

هذا والله ولي الهداية والتوفيق  ،،

والحمد لله رب العالمين

 

 

الكاتب / شهر محرم 1427هـ 

 

للوصول إلى المعرفة الكاملة أطلب الموسوعة